]

بعيدا عن ابعاد وتحليلات وتوصيفات الحشود المليونية التي شهدها العراق يوم الجمعة رفضا للتواجد الاميركي في البلاد، اوجه اخرى اظهرتها حشود العراقيين في مليونيتهم التي سميت اصطلاحا ثورة العشرين الثانية.

 

مئة عام بين الثورتين..اوجه شبه واوجه خلاف بينهما لا بد من الحديث عنها على ضوء المشاهد ذات الدلالات الواضحة من الشارع العراقي يوم الجمعة.

 

 

 

في ايار مايو عام 1920 انطلقت ثورة العشرين ضد وجود قوات الاستعمار البريطاني بعد نكث المملكة المتحدة بعهودها في منح العراق استقلاله بعد الحرب العالمية الاولى، ورفضا لسياسة بريطانيا التي حاولت لندن عبرها استنساخ تجربة الهند في العراق.

 

 

 

= في عام 2020 لم تكن الولايات المتحدة قد وفت بما قالت انها قدمت لاجله كتبرير لغزوها العراق عام 2003. فالعراق تحول الى مسرح تجرب فيه الجماعات الارهابية كل مواهبها الاجرامية. والسياسة الاميركية في العراق لم تسمح بوجود استقلال كامل للعراقيين. كل ذلك وصولا الى جريمة اغتيال الشهيدين الفريق قاسم سليماني والقائد ابو مهدي المهندس ورفاقهما. فكانت ثورة العشرين الثانية والجموع التي ملأت الشوارع العراقية ضد وجود القوات الاميركية.

 

 

 

واوجه الخلاف بين الثورتين تكمن في مصير كل منهما. فثورة العشرين احبطت لاسباب لوجيستية تتعلق بالميدان والمعارك بعد تطور الاحتجاجات حينها الى اعلان الحرب على القوات البريطانية في العراق، حيث كان غياب التجربة والتجهيزات عن الثوار العراقيين سببا في عدم تحقيق الثورة لاهدافها.

 

 

 

غير ان في ثورة عام 2020 الكل يعرف ان القدرات العسكرية للعراقيين تختلف كثيرا فالقوات العراقية والحشد الشعبي يمتلكان التجربة والعتاد والتجهيزات ما يمكنهما من فرض الخروج على القوات الاميركية.

 

 

 

والاهم من ذلك هو الاجماع الكبير الذي اظهره الشارع العراقي حول ضرورة اخراج الولايات المتحدة قواتها من العراق. فلا وجودها كان ايجابيا ولا نتائجه كانت جيدة، وحتى يمكن القول ان هذه الايجابية لم تكن اصلا ضمن اهداف ارسال القوات الاميركية الى العراق. وهنا يكفي تذكر موقف الرئيس الاميركي دونالد ترامب من مطالبة العراقيين له باخراج قواته حيث هدد بتجميد اموال الحكومة العراقية في الولايات المتحدة والتي تضع واشنطن يدها عليها بحكم القوة وليس اي شيء اخر. وتهديده بفرض عقوبات غير مسبوقة ضد بغداد

 

 

 

لكن بعد مشاهد العراقيين الضخمة يوم الجمعة من الضروري ان تدرك الادارة الاميركية انها لم تعد تواجه برلمانا عراقيا او حكومة او رئاسة جمهورية او كتلة نيابية هنا او لجنة وزارية هناك. فما باتت تواجهه في هذه القضية هو الشارع.

 

 

 

بعد اقرار البرلمان العراقي اوائل كانون الاول يناير قانون الزام الحكومة باخراج القوات الاجنبية من البلاد، خرج وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو ليقول ان العراقيين يريدون بقاء قوات بلاده في العراق، مستخدما هذا التصريح كمسوغ شرعي لبقاء تلك القوات. لكن ماذا يمكن ان يقول بومبيو بعد الحشود المليونية الرافضة لتواجد بلاده؟ هل سيقول انه على العراقيين كلهم النزول للشارع لكي نخرج قواتنا؟ المتوقع هو ان يقول بومبيو الحقيقة وهي ان لدى بلاده مصالح خاصة في العراق وستبقى هناك لحمايتها.

 

 

 

هنا يصبح محتملا سيناريو تحول التظاهرات الشعبية المطالبة برحيل القوات الاميركية الى مواجهة ميدانية عسكرية. تماما مثل ثورة 1920. وقرار انتقال التظاهرات الى هذه المرحلة يعود للعراقيين انفسهم (وان كانوا يعبرون بموقفهم عن كثير من شعوب المنطقة التي تعاني من التدخلات الاميركية ونتائجها السلبية على مجتمعاتهم)

 

 

 

رغم عدم تحقيق ثورة العشرين الاولى اهدافها كاملة الا ان المستعمر البريطاني وقواته خرجوا نهاية الامر من العراق. وهذا وجه الشبه الاقوى بينها وبين ثورة العشرين الثانية، مع التاكيد بان عوامل نجاح الثورة الثانية التي بدات مع تظاهرات الجمعة اقوى بكثير من تلك التي امتلكتها الثورة الاولى قبل مئة عام.

 

 

 

حسین الموسوی- العالم

قائمه


 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شناشيل  للاستضافة والتصميم