بقلم : كاظم فنجان الحمامي
تتلخص قصة (شمهودة) إنها لم تكن تترك مأتما أو مجلسا من مجالس العزاء إلا وتحضرها، وتبلي فيها بلاءً حسناً في البكاء واللطم والعويل والصراخ, لكن أهل العزاء يعاملونها بقسوة، ويعزلونها مع الصغار في وجبات الطعام، ولا يحسبونها من ضمن الضيوف. حتى ذاع صيتها وضربوا بها الأمثال للتعبير عن حالات الغبن وعدم الإنصاف، فقالوا: (لطم شمهودة. تلطم مع الكبار وتأكل مع الصغار).
قد تكون شخصية (شمهودة) وهمية أو خرافية، وقد تكون حقيقية ولها مساس بواقعنا المر، فالأمثال تضرب ولا تقاس. لكننا لا نريد للبصرة أن تلطم لطم شمهودة، ولا نريدها أن تتقمص دورها السلبي، فتفقد استحقاقاتها كلها في خضم التخصيصات الوزارية غير العادلة، فلا تجد وزيراً واحداً في تشكيلات الحكومة من البصرة، ولا سفيرا من البصرة، ولا حتى وكيل وزارة. حتى أن بعض المدراء فيها جاءوها من محافظات أخرى، في حين اقتصر توزيع الحقائب الوزارية على محافظات نينوى وصلاح الدين والنجف وكربلاء. على الرغم من مكانتها العلمية والثقافية والفكرية والأدبية، وتفوقها في المجالات الطبية والبحرية والهندسية والزراعية والسياحية والتجارية والصناعية، وارتفاع نسبة حملة شهادات الدكتوراه في مؤسساتها ومعاهدها وكلياتها التخصصية بالمقارنة مع النسب المعلنة في الكويت وقطر والإمارات والبحرين وعمان، ناهيك طيبة أهلها ودماثة أخلاقهم ونزاهتهم ووطنيتهم. 
أغلب الظن أن أبطال العملية السياسية المعاصرة لا يعلمون أن أول رئيس للوزراء في العهد الملكي كان من البصرة وهو السيد عبد الرحمن النقيب، وأن السيد طالب النقيب كان المرشح الساخن لاعتلاء عرش العراق قبل الملك فيصل. وأن المبعوثان كانا من البصرة، في حين يُستبعد أبناء البصرة الآن من التشكيلة الوزارية الجديدة، وكأن الحكومة العراقية لا تعلم أن معظم بلدان الخليج العربي كانت ولادتها من رحم البصرة التي كانت تبسط نفوذها على الخليج العربي كله حتى عام 1916. 
لقد حملت مرافئ البصرة ومنافذها البحرية شعلة العالمية والتنوع والتعددية في الثقافة والفنون والآداب، وقصدها التجار من مشارق الأرض ومغاربها. وهاموا في عشقها، وتعلقوا فيها، فخلدوا اسمها على هواهم، وكتبوه بإيقاعات أبجدياتهم المتناغمة مع صوتها الجميل. 
وأن البصرة هي النافذة البحرية الوحيدة التي يطل منها العراق على بحار الله الواسعة، وفيها أكبر وأقدم وأوسع الموانئ الخليجية، وفيها أروع الربابنة والملاحين وأقدم رجال البحر، وأن معظم الذين فازوا بمسابقات حفظ القرآن الكريم كانوا من البصرة المعروفة بمساجدها الألفية المنتشرة من مدينة العزير إلى مدينة الزبير. 
وأن أول محطة قطار في العراق (محطة المعقل) في البصرة، وأول قاعدة جوية في العراق (قاعدة الشعيبة)، وأول ميناء في العراق (ميناء البصرة)، وأول فندق (فندق شط العرب)، وفيها أول دار سينمائية، وأول ملاعب لكرة القدم، وأول غرفة تجارة، وأول غرفة صناعة، وأول منظمة للهلال الأحمر، وأول مطار مدني، وأول مصافي نفطية، وأول وأكبر مدينة للألعاب، وأول وأكبر سايلوات، وأول وأكبر معامل الحديد والصلب، وأول وأكبر معامل اليوريا والأسمدة الكيماوية، وأول وأكبر معامل البتر وكيماويات، وبنيت فيها أول وأكبر وأوسع سلسلة من المباني المجانية التي وزعها مزهر الشاوي على العمال والموظفين، وفيها أكثر القناطر والمعابر والأنهار والأخوار والأهوار والصحاري والبراري، وفيها أكبر بساتين النخيل والحناء.
وأن المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية والمعاهد الخاصة والعامة للبنات والبنين الموجودة الآن في البصرة هي الأكثر عددا والأوسع استيعابا من حيث عدد الطلاب في جميع المحافظات العراقية الأخرى، وفيها أكبر وأوسع الأكاديميات البحرية في عموم أقطار الخليج العربي. 
مما لا جدال فيه أن (80%) من ميزانية الدولة تستحصلها البصرة، و(17%) من واردات نفط البصرة يتمتع بها إقليم كردستان، وأن ميزانية الدولة برمتها تأتي من عائدات البصرة النفطية والمينائية والجمركية والضريبية. وأن (70%) من المساحة البرية في مدينتنا المحرومة من التطور خاضعة بالكامل للمشاريع النفطية، وأن نسبة كبيرة من مسطحاتها البحرية خاضعة بالكامل لخطوط الأنابيب النفطية والمنصات العائمة والعوامات الرحوية ومقترباتها ومحرماتها، الأمر الذي حرمها من استحقاقاتها الجغرافية، وافقدها فرص الارتقاء والنمو الحضاري، حتى تخلفت عمرانيا وبيئيا وجماليا عن المدن الخليجية التي ولدت بعدها بقرون.
تنفرد البصرة بواجهاتها المينائية الكبيرة المطلة على بحار الله الواسعة، وتنفرد بخطوط التماس الحدودية مع ثلاث دول (السعودية، إيران، الكويت). في حين تتعمد بعض الوزارات العراقية توريد موادها المستوردة عن طريق الموانئ البديلة في الكويت والأردن وتركيا، وبالاتجاه الذي يحرم موانئنا من النهوض بدورها الوطني المباشر في التعامل مع خطوط الشحن البحري. 
ربما يظن عامة الناس أن البصرة لا تختلف كثيرا عن (شمهودة)، فهي في نظرهم كالبعير المحمل بالحرير ونفائس الذهب والفضة، بينما يهيم على وجهه في الوديان والبراري ليبحث عن شجيرات العاقول والشوك والشويل فيقتات منها أو عليها. ثم يعود ليروي ظمأه بالماء المالح، فنقول لهم جميعا: أن المدينة التي حملت لقب (أم العراق) في مراحل الإبداع والازدهار والتألق، والتي أطلق عليها أرباب العلوم والفنون والآداب أسماء: خزانة العرب، وذات الوشامين، وقبة العلم، والفيحاء، وعين الدنيا، والزهرواء، والزاهرة، وبندقية الشرق، وجنات عدن، والأُبلّة، وأبولوجوس، وطريدون، والبصراياثا، والبصرة العظمى، وثغر العراق الباسم, وكانت تجمع مع الكوفة بالمصرين، أن مدينة بهذا المستوى لن تفرط بحقوقها بهذه البساطة، ولن تعود أبدا إلى اسمها القديم (الخريبة)، وربما تضطرها الأيام للعودة إلى اسمها المشاكس (الرعناء)، الذي ادخرته لمواجهة الذين حرموها من ابسط استحقاقاتها.
قبل بضعة أشهر ظهر في التلفزيون نائب من خارج البصرة يقول: (أن البصرة ليس فيها كفاءات)، وربما تسبب هذا النائب أو غيره في نسف واقعها العلمي والفني والأدبي والثقافي، وأفرغها تماماً من محتواها التاريخي والحضاري، وشطب سجلاتها كلها، فهي في نظره فارغة تماماً من العلماء والشيوخ والقادة والزعماء والأدباء والمبدعين. 
والحقيقة أن هؤلاء لم يدركوا بعد أن للبصرة وقع خاص في قلوب العرب والمسلمين، وكانت تجمع مع الكوفة في كلمة واحدة: (البصرتين)، أو (العراقين)، أو (المصرين)، وكانت من أعظم أمصار العالم الإسلامي من دون منازع. 
نشأت البصرة في رحم الحضارة السومرية منذ أقدم العصور، لكنها سجلت اسمها في وثائق الفتح الإسلامي في العام 635 من الميلاد. فهي في الآرامية (بصرياتا)، وتعني الأرض ذات الحصى. ولهذا الاسم معان أخرى في الكلدانية. فكلمة (بصر) تعني الجزر الضعيف. و(بصريا) تعني القنوات والجداول المائية. و(باصرا) تعني مجموعة أكواخ القصب والبردي. وجميع مدلولات هذه المفردات اللغوية تتوافق وتنسجم تماما مع واقع وظروف البيئة البصرية في الماضي والحاضر. 
كان ميناء (أبولوجوس)، ويعني (الاُبُلّة) من أكبر جسور العالم القديم، فهو ملتقى المسالك البحرية والبرية القادمة من آسيا وأفريقيا وأوربا. وبانوراما الحضارات الإنسانية الضاربة في عمق التاريخ. ومسرح السلالات السومرية والآشورية والبابلية والكلدانية. وأيقونة القوميات السامية. ومحراب الديانات المندائية والعبرية والنصرانية. وقلعة العروبة والإسلام. وقبة العلم والمعرفة. ومنبع المدارس الفكرية واللغوية. وأم المرافئ العربية القديمة ؟؟. 
لقد أنجبت البصرة الخليل بن أحمد الفراهيدي, وعمرو أبو عثمان الجاحظ, وعمرو بن عثمان بن قنبر (سيبويه), ويعقوب أبو يوسف الكندي, والحسن بن الهيثم, والحسن البصري, والمازني, والأصمعي, والحريري, والمبرد, والصولي, والسدوسي, ومحمد بن سيرين, والعلاف, والعطوي, والمفجّع, والأخفش, والماوردي، وواصل بن عطاء، واللاحقي, وعمارة بن عقيل, وأبو الأسود الدؤلي, ومالك بن دينار, والفرّاء.
وأنجبت البصرة بدر شاكر السياب وأحمد مطر ومحمود البريكان وكاظم الحجاج وحسين عبد اللطيف, ومحمد رضا المظفر ومحمود عبد الوهاب ومحمد خضير وفيصل السامر وذياب فهد الطائي وإحسان وفيق ووفاء عبد الرزاق وعطا السعيدي وأبو عراق وعبد الحسين الحلفي وفوزي السعد وأبو سرحان وداود الغنام وعلي العضب، وطاهر سلمان، وعيسى عبد الملك، وجاسم المطير، وجاسم العايف. 
أما الذين يحملون شهادات الدكتوراه في هذه المدينة فيفوق تعدادهم تعداد أقرانهم في عموم أقطار الخليج العربي، حتى أن رئيس الجمهورية نفسه (الدكتور فؤاد معصوم) كان من العاملين في جامعة البصرة، وظل في ضيافتها مدة تزيد على عشرة أعوام.
البصرة تنتج من الصحف اليومية والأسبوعية والنشرات الثقافية ما يزيد على ما تنتجه مطابع المحافظات العراقية كافة، إذا استثنينا منها العاصمة بغداد، وأن أطباء البصرة من الرجال والنساء حققوا حتى الآن ما لم يحققه أشهر أطباء العرب، وأنهم يعملون الآن في أرقى الجامعات والمستشفيات العالمية، وأن الوسام الأولمبي الوحيد الذي أحرزه العراق كان على يد الرباع البصري عبد الواحد عزيز رحمه الله. وأن زبرج سبتي كان أفضل أبطال العالم بالملاكمة، وان فالح ناجي كان أفضل أبطال آسيا في سباق 800 متر، وان أجمل الأغاني والمعزوفات والأناشيد العراقية لحنها وكتبها أبناء البصرة من الشعراء والملحنين المبدعين من أمثال طارق الشبلي ومجيد العلي وياسين صالح العبود وطارق شعبان ووليد لويس وكاظم كزار وطالب غالي وحميد البصري ويوسف النصّار وناصر هاشم وجبار البصري وعماد مجيد العلي وعبد الرحمن أبو العوف.
وأن روائع الأعمال الفنية والتشكيلية العراقية نفذها أبناء البصرة، وفي طليعتهم: فيصل لعيبي وعجيل مزهر وجاسم الفضل وصالح كريم وقيس عبد الرزاق وخالد مبارك وعبد الكريم الدوسري وليلى لعيبي وشاكر حمد وجبار عبد الرضا ومهدي الحلفي وعيسى عبد الله وعبد الملك عاشور ونداء كاظم ومفيد حيدر الشيخ وأسعد لعيبي منصور. 
أيعقل بعد هذا التاريخ الطويل الزاخر بروائع المنجزات العلمية والأدبية والفنية الذي سجلته مدينة البصرة منذ يوم ولادتها وحتى يومنا هذا أن ينعتنا أبطال العمليات السياسية الفاشلة بالتخلف، ثم يجردوننا من مؤهلاتنا الثقافية والعلمية والسياسية والنضالية ؟. هذا الكلام نوجهه إلى نواب البصرة كافة ونطالبهم بالوقوف بحزم بوجه الذين يحاولون الانتقاص من مؤهلاتنا العلمية والأدبية والثقافية والسياسية.

قائمه


 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شناشيل  للاستضافة والتصميم